محمد متولي الشعراوي

9434

تفسير الشعراوي

وقوله : { اهبطا } [ طه : 123 ] بصيغة التثنية أمر لاثنين : آدم مطمور فيه ذريته ، وإبليس مطمور فيه ذريته ، فقوله : { اهبطا } [ طه : 123 ] إشارة إلى الأصل ، وقوله في موضع آخر : { اهبطوا } [ البقرة : 38 ] إشارة إلى ما يتفرّع عن هذا الأصل . وقوله : { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } [ البقرة : 36 ] أي : بعض عدو للبعض الآخر ، وكلمة ( بعض ) لها دَوْر كبير في القرآن ، والمراد : أنت عدو الشيطان إنْ كنتَ طائعاً ، والشيطان عدوك إنْ كنتَ طائعاً . فإنْ كنتَ عاصياً فلا عداوة إذن ؛ لأن الشيطان يريدك عاصياً . وحين لا يُعيِّن البعض تكون العداوة متبادلة ، فالبعض شائع في الجميع . كما في قوله تعالى : { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } [ الزخرف : 32 ] فمَن المرفوع ؟ ومَنْ المرفوع عليه ؟ أصحاب النظرة السطحية يفهمون أن الغنيَّ مرفوع على الفقير . والمعنى أوسع من هذا بكثير ، فكُلُّ الخَلْق بالنسبة للحق سبحانه سواء ، ومهمات الحياة تحتاج قدرات كثيرة ومواهب متعددة ؛ لذلك لا تتجمع المواهب في شخص ، ويُحرم منها آخر ، بل ينشر الخالق عَزَّ وَجَلَّ المواهب بين خَلْقه ، فهذا ماهر في شيء ، وذاك ماهر في شيء آخر ، وهكذا ليحتاج الناس بعضهم لبعض ، ويتم الربْط بين أفراد المجتمع ، ويحدث بينهما الانسجام اللازم لحركة الحياة . إذن : كُلُّ بعض في الوجود مرفوع في شيء ، ومرفوع عليه في شيء آخر ، فليكُنْ الإنسان مُؤدَّباً في حركة حياته لا يتعالى على غيره لأنه نبغ في شيء ، ولينظر إلى ما نبغ فيه الآخرون ، وإلى ما تميَّزوا به حتى لا يسخَر قوم من قوم ، عسى أن يكونوا خيراً